السبت 21-اكتوبر-2017

الأردن يكسر «مجاديف» التلفزيون الوطني… «السوشيال ميديا» تبطح الفضائيات… وخطاب الكراهية يتسيد المنصات

10q2pt997.jpg

 

مالك العثامنة

 

أستغرب أن تهدر الدولة الأردنية من خزينتها وموازنتها العامة ملايين الدنانير حتى اللحظة لتأسيس محطة تلفزيونية «إخبارية» بوجود التلفزيون الأردني، بدل أن توفر تلك الملايين المدفوعة من الجيب المثقوب للمواطن، أو أن تدعم التلفزيون الأردني، بدل محاولات ممنهجة لتكسير «مجاديف» كل من يحاول التطوير فيه.


الدولة، التي تبحث عن إعلام محترم، عليها أن تسمح لهذا الإعلام أن يتنفس فضاء الحرية أولا، ثم ترفده بعدم التدخل فيه لا بقمعه ولا بطرق التفافية أخرى مثل حشو هذا الإعلام برويبضات طارئة على المهنة فتقوض أسس المهنية فيه.


رغم كل الضبابية، التي تسود المشهد الإعلامي الأردني، خصوصا الفضاء التلفزيوني فيه، إلا أن هناك إضاءات في ذلك النفق المعتم، قدمتها «رؤيا»، التي سبقت بالريادة، واليوم تجدنا نقف احتراما لكثير من المحتوى الإعلامي لقناة «الأردن اليوم»، التي أسسها رجل يعرف حدود خبرته في تقنيات العمل التلفزيوني، وقد اكتسبها بالخبرة الطويلة مع أغلب فضائيات العالم العربي، فأطلق على الفضاء محطته، التي تجمع على محتويات أثيرها نخب متنوعة من الإعلاميين والفنيين المؤهلين.


تابعت بشغف مساء الإثنين، برنامج «عين على الحدث»، الذي يقدمه الصحافي المعتق الزميل عمر كلاب، وكان عنوانه «خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي»، وكان ضيفه الأساس وذو القيمة النوعية الدكتور معن القطامين، وهو رجل أكاديمي متعلم من عائلة أردنية قومية، وقد بدأ قبل فترة بسيطة بإصدار فيديوهات على الانترنت، مشغولة بعناية فنية جيدة، ومضمون إعلامي محترم يعكس قدرة الرجل الفذة على تقديم فكره بطريقة جذابة فاكتسب بذلك شعبية واسعة.


أمامه في الحلقة نفسها استضاف البرنامج، معاكسه الموضوعي تماما، وهي سيدة صاغها الحظ الاجتماعي المدعوم بسلطة ما وراء الأبواب على عتبات الباب العالي، لتصبح نجمة في عالم «السوشيال ميديا» وهو عالم أصبح فيه أي جوكر قادرا على التضخم فيه.


لا تعنيني السيدة، وملخص تقييمي لوجودها أمام الدكتور القطامين شبيه لافتراض سيناريو برنامج عن الموسيقى تضع فيه محمد عبدالوهاب مثلا ليتحدث وأمامه في الحوار هيفاء وهبي، فيتحدث عبدالوهاب عن الموسيقى، التي يفهمها من أول السلم، وتتعثر هيفاء على أول درجات السلم!


ما تحدث به الدكتور القطامين، وهو متخصص معرفيا، كان مهما حول تأطير خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي، وضرورة أن تنتبه الدولة الأردنية لهذا الخطاب، الذي وجد المتطرفون مساحات شاسعة فيه لبث أفكارهم، والتأثير من خلالها على الناس، وهذه الناس التي يملك أغلبيتها في الأردن حسابات فيسبوكية ويتفاعلون معها بشكل قوي، هؤلاء مقهورون، والقهر في النهاية أكبر ثغرة يتسلل منها التطرف الأعمى.


لو توقف الحوار مع الدكتور القطامين وحده بإدارة الزميل عمر كلاب، لكانت كافيا تلك الجرعة من المعرفة وهذا التشريح الجميل للحالة، بدون تلك الفواصل السطحية، التي تلقيناها من الطرف الآخر، فلا هي أسمنت ولا أغنت من جوع بكل هذا الخواء الفكري الذي تفضلت به علينا كمشاهدين.


لكنه الإعلام، وفي قياس على المثال السابق، فإن حضور هيفاء في حلقة يتحدث فيها محمد عبدالوهاب سوف يجذب جمهورها المغرم بالتصفيق والتراقص، وقد يستفيد أحدهم بجملة مفيدة من الموسيقار وهو يصفق لنجمته البراقة!! فلعل وعسى في تلك الحلقة من «عين على الحدث» أن يحصل ما يشبه ذلك.

 

سئموا ضجيج التلفزيون فتوجهوا لـ «السوشيال ميديا»

وفي الحديث عن «السوشيال ميديا»، وقد خطفت كثيرا من بريق الفضائيات والتلفزيون، فأنا ممن يتذكرون جيدا، برامج الموسيقى والغناء العميقة، التي كان يعدها ويقدمها العلامة الأكاديمي الموسيقي الدكتور سعد الدين آغا القلعة، وكنت ممن يتابعون ما تيسر على من فهمه من برنامجه في حقبة ما قبل الفضائيات و ربما في أول ظهورها كذلك.


كان الدكتور القلعة يتناول أحيانا وعلى مدار حلقات متتابعة مقطعا من أغنية لأم كلثوم، أو أسمهان، ويستطرد بالحديث عن المقطع ويفككه بطريقة علمية موسيقية لا نفهم أغلب مصطلحاتها، لكن نحاول تعلمها أو استيعابها وندرك أن الموسيقى علم ومعرفة كبيرة من خلال شروحات القلعة.


اليوم، غاب القلعة عن التلفزيون، لكن صفحته «الفيسبوكية» تحقق مشاهدات بالكاد تحققها فضائيات عربية، ولا يزال الرجل يكتب بالأمثلة الصوتية والمصورة شروحاته الموسيقية لأغلب الأعمال الجميلة وبلغته التي يتخيلها المتابع بصوته الهادىء والوقور على الشاشة.


لوسائل التواصل الاجتماعي مثل «الفيسبوك» حسنات أيضا، منها أنها تعيد التوازن الفني لمن سئموا كل هذا الضجيج الملون على التلفزيون وقد دخل حالة انعدام الوزن في الفضاء، وفقد جاذبيته الأرضية.

 

الإعلام اللبناني ما زال متقدما

الصحافة مدارس، وأكثرها ثراء أدبيا وكسرا للجمود كانت الصحافة اللبنانية في الستينيات والسبعينات حتى عهد قريب.


ومن تلك الحاضنة الأدبية في مهنة المتاعب الرتيبة بطبعها، كانت بعض الفضائيات اللبنانية ولا تزال تحقق لك متعة المشاهدة، حتى لو كانت تلك المشاهدة لنشرة أخبار، وحتى لو كنت على طرف النقيض في الموقف من أجندة القناة وأصحابها إلا أنك لا تملك إلا أن تستمتع بنشرات إخبارية مصاغة بعناية تحريرية تشبه قطعة أدبية أو نصا نثريا مبدعا.


وحتى اليوم، ما زلنا كلما تيسر لنا ذلك، نتابع مقدمة نشرة أخبار تلفزيون «الجديد»، ومع نهاية المقدمة نقلب المحطة فورا قبل التوغل في التفاصيل.


برأينا الشخصي، وقد يكون ذلك ضربا من التمني، فإن الفضاء اللبناني على كل تناقضاته وتنوعه هو الفضاء العربي الأذكى في الطرح والتناول والجرأة أيضا.

 

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

 

banner
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر، وجميع المقالات والتعليقات لا تعبر عن وجهة نظر الموقع