الصحّة والتعليم في الأردن .. فَشَلٌ أم عَجْز أم سياسة ؟

25

الاردن اليوم-  كتب المهندس سليم البطاينه:

لا أُحب إلقاء وتوجيه التّهم على أحد بعينه أو إعفاء طرف ما .. فمَن يتابع الوضع الإجتماعي يَشعر بالغصّة كيف تحوّل الأردن إلى غابة من الفقر والجوع والحرمان الإجتماعي وتدنٍ خطير وغير مسبوق في مستوى التعليم والرعاية الصحية وأصبح الأردني لا حيلة له ولا قدرة وما عليه إلا القبول بهذا القَدَر الذي فرض عليه .. فهُو واقع مُظلم ومُقلق بات يُحلّق في الأُفُق لا نعلم متى سينتهي والخوف من المجهول والقادم الذي لا نملك عنه أدنى فكرة .. والمأساة من أن يَمُر التاريخ علينا فلا يَجِد ما يستحق ذِكره.

وبعيداً عن التفاصيل التي مَللنا تكرارها لا بد للأنظار أن تتّجه إلى الواقع المؤلم الذي يَعتري قِطاع الصحة والتعليم في الأردن فثمّتة شيء واضح أمامنا أن واضعي السياسات يَفتَقرون إلى بُعد النظر وعُمق التفكير ويعانون من الفقر السياسي.

وهنا نسأل أنفُسنا ما هو سبب الضّعف والفَشل والعجز الذي يعاني منه قطاعَي الصّحة والتعليم ؟ ولماذا وصل الحال المُزري إلى هذا الدَرك ؟ ولماذا تمّ السُكوت عن ذلك كل تلك السنوات ؟

فالدولة وبعد استفحال السياسات الليبراليّة وعلى مدار سنوات طويلة ما زالت تَنظر إلى قطاع الصحة والتعليم أنّهما قطاعات غير مُنتجة وتُشكّل عبئاً على موازنة الدولة حيث بِتنا أمام حقيقة وهي أن نسبة الإنفاق على الصّحة والتعليم من الناتج المحلي الإجمالي مُخجلة لا تكاد تُذكر.

حيث يَبدو أنّ فَشل الحكومات المُتعاقبة في رعاية الصحة والتعليم تمّ عن قصد وبفِعل فاعل غايَته وضع الصحة والتعليم الحكومي بحضن رجال المال والأعمال وخَصخصة الصحة والتعليم الحكومي .. فتخفيض المخصّصات المالية بالموازنة للصحة والتعليم يَعتريه الغموض وميزان المخاطر تَميل كفّته نحو تطوّرات معاكسة لا يَعرف عامة الناس عنها شيئاً وهي تَدْخل في صُلب الشك ونظرية المؤامرة وعدم اليقين.

فلا يُمكن لإنسان عاقل أن يُجادل في حقيقة أن الأردن لم يعُد فيه تعليم ولا رعاية صحيّة .. فالإدارة التي تُدار من خلال هندسة الجهل لها ثمن باهظ .. فتراجع الإنفاق من قِبَل الدولة على الصحة والتعليم سيقودنا إلى نتيجة مفادُها أن التعليم والرعاية الصحية ستكون حصرياً للأغنياء ومَيسوري الحال والطّبقة الحاكمة .. فكُل المُخصصات الماليّة للتعليم والصحة في موازنة الدولة لعام ٢٠٢١ لا تكاد تَصل نصف ميزانيّة إحدى المراحل الأساسية أو حتى أحد المستشفيات الحكومية في اليابان وسنغافورة .. فعلى سبيل المثال لا الحَصر فإن الإنفاق على الأمن يفوق مثلَيه في قطاعات الصحة والتعليم والعمل.

فتراجُع الدولة في دَعم قطاع الصحة والتعليم سيؤدي إلى نتائج كارثيّة وسيفتَح المجال والأبواب أمام مجتمع الأعمال والمال .. فحتّى منتصَف ثمانينيّات القرن الماضي كانت الدولة الأردنية تُنفق على الرعاية الصحية والتعليم نسبة كبيرة من ناتِجها الإجمالي المحلي .. وكان هنالك توازن في تطوّر الخدمات الإجتماعية وكُنا طليعة دول الشرق الأوسط في موضوع التعليم والصحة كونهما حجر الزاوية الأساس في تطوير المجتمع والدولة .. علماً أن المواطنين المتمتّعين بصحة جيدة يَعملون بشكل جيد وبصورة أفضل ممن يُعانون من الأمراض المختلفة حيث يَنشطون بأعمالهم وتزيد إنتاجيتهم.

وتَخفيض حصص الصحّة والتعليم بالموازنة العامة سيزيد من استمرار معاناة فئات كثيرة من الناس في العلاج والبحث عن الدواء الناقص في مستشفيات وزارة الصحة والمراكز الصحية .. فالأسر ذات الدّخل المتواضع ستضطر حينها لدفع جزء من دخلها من أجل علاجها مما يدفع بها إلى الفقر و تضطر إلى الإقتراض أو بيع الأصول التي لديها أو العُزوف عن تلقي العلاج والتعايش مع المرض لأن العلاج في القطاع الخاص أصبح يفوق قدراتهم.

فالإضعاف المُستَمر لقطاع الصحة والتعليم سيؤدّي أيضاً إلى زعزعة الإستقرار الإجتماعي والسياسي.

وانخفاض الإنفاق على الصحة والتعليم يُشكّك في صدق نوايا الحكومة في الإرتقاء بالتعليم والصحة وفي تنفيذ استراتيجية بناء الإنسان الأردني على نحو النهوض به صحياً وتعليمياً .. فجميع الحكومات المتعاقبة حرصت على تضمين برنامجها حال تكليفها عبارات فضفاضة حول التعليم والصحة .. فرأس المال البشري هو أقوى محرّك للنمو الأقتصادي المستدام والشامل ويُعد أهم أوجُه الإستثمار .. فهو من أكبر الطاقات التي تمتلِكها الشعوب.

فالواقع المزري للصحة والتعليم الحالي ما هو إلا انعكاس لما اعتَرى الدولة من فشل متراكم نتيجة حقبة الفساد الكبرى السابقة .. فالتعليم ليس شغل أشخاص بل هو أرق أمة بأكملها وكلنا نُدرك حجم المأساة في مدارسنا الحكومية وتدنّي مستواها التعليمي .. فالمراحل الأولى للتعليم في حالة انهيار مبرمج وغالبية البُنى التحتية للمدارس وضعها كارثي.

ولا أظُنّنا في حاجة إلى الإستِرسال فعندما يزداد الإنفاق على الصحة والتعليم تَقِل إحتمالات سقوط المواطنين في براثِن الفقر .. فهناك ترابط قوي بين الفَقر واعتلال الصحة.

وبالنّظر إلى التقارير والإحصائيات الصادرة عن البنك الدولي World Bank و United Nations Development ومؤسسة Colliers International والجمعية الدولية لتقييم التحصيل التربوي IEA ومعهد اليونيسكو للأحصاء UIS ومركز التعليم العالمي في مؤسسة بروكينجز CUE خلال السنوات الثلاث الماضية نستنتج منها أن الحكومة بدأت فعلياً بتخفيض مخصّصات الصحة والتعليم مع بداية عام ٢٠٠٧ وأن متوسط نسبة الإنفاق من ناتِجها المحلّي الإجمالي لا يتجاوز نسبة ٢.٩٪.

فأي كارثة ننتَظر حتى نَستَفيق ؟ فلتستفيق العقول ولتَستيقظ الضمائر .. فبدلاً من انتظار المجهول لابُد من تغيير السياسات والكَف عن مسلسل الزّجْ بالصحة والتعليم نحو كمّاشة القطاع الخاص .. فأَخطر المقامرين هم الذين يُغامرون ويَتلاعبون بمصالح البلاد والعِباد و يُمارسون الطّيش السياسي.

قد يعجبك ايضا