البطاينة: دعوة الحكومة للقيام بجولة مشياً على الأقدام لمشاهدة مجرى سيل الزرقاء والمزروعات المروية على جانبيه من الخضار والفواكه ابتداءً من مخرج محطة خربة السمراء وحتى سد الملك طلال

147

كتب المهندس سليم البطاينة
إنها حيرة القلم فقد وعدت صديق لي أحترمه كثيراً بأن لا أكون قاسياً في حدة انتقادي .. فمن أين أبدأ وكيف أبدأ وبماذا أبدأ ؟ حقيقةً بِتُّ لا أعرف.

فعلى الرغم من التحديات التي تعصف بقطاع المياه والبيئة والزراعة ورغم قلة الأمطار وانحسار موارد المياه والتدهور البيئي الغير مسبوق في الأردن لأسبابٍ كثيرةٍ منها الجغرافي ومنها المناخي وغياب الرقابة .. إلا أن هناك مشاكل أخرى باتت تهدد السدود ومجاريها والبيئة والصحة العامة أهمها تلوثها بالعناصر الثقيلة ( heavy metals ) فهي عناصر كيميائية ذات تركيزات منخفضة متواجدة في مياه سيل الزرقاء .. لكن الأخطر هو الإستنزاف الجائر للأحواض المائية الجوفية في الأردن ومنها حوض عمان-الزرقاء.

فالتدهور الصحي والبيئي المتواصل لسيل الزرقاء والذي يبلغ طوله ٧٣ كيلو متر ، وحوض عمان-الزرقاء المائي الذي تبلغ مساحته ٣٧٠٠ كم مربع اعتُبر منذ سنوات طويلة واحداً من أكبر وأخطر التحديات البيئية والصحية في الأردن .. حيث يُعد حوض عمان-الزرقاء من أهم الأحواض المائية في المملكة ، فسكانه يمثلون ٧٠٪؜ من عدد سكان الأردن ، ويتضمن ٦٠٪؜ من الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

فقد تعرض نهر الزرقاء وسيل الزرقاء لإعتداءات كبيرة من المصانع المحاذية له ومن مياه الصرف الصحي سابقاً ، وتحولت مياهه النقية إلى مياه عادمة لا تصلح لزراعة الخضار والفواكه .. حيث لم يلتزم المزارعين على جانبي السيل وفي الشفا المحيط بالزراعات المقيّدة فالمياه الخارجة من محطة خربة السمراء ( المعالجة ) لا تصلح إلا للزراعات العلفية الخاصة للحيوانات كالبرسيم والشعير والكرسنّة ( بيقية، Vetch ).

فمنذ سنوات طويلة تم تفريغ نهر الزرقاء من كافة مصادر المياه الطبيعية المتدفّقة إليه نتيجة الإستنزاف الجائر لحوضه المائي ولينابيعه المنتشرة حوله والتي كانت رافداً كبيراً من روافده.

وسيل الزرقاء حالياً أصبح مصدراً كبيراً من مصادر التلوث الحاصل داخل الأردن ، وبات مطلباً مهماً إعادة تأهيله وتجريفه من المخلفات الصلبة وتجريف كافة المزروعات التي تتغذى منه كالخضار والفواكه حيث أنها لا تصلح للأكل أو للطبخ فهي سامة.

فالوضع الحالي للسيل سيء وخطير والجفاف والتلوث حوّلاه إلى مكرهة صحية ، حيث تدهورت نوعية مياهه وتم تعرّض النظام البيئي المحيط به ولمنطقة حوضه لخطر كبير.

فأثناء بحثي في الجوجل عن محتوى لمقالي أضحكني كثيراً تصريح لأحد وزراء البيئة قبل أكثر من عشرة سنوات لوسائل الإعلام واعداً المواطنين في محافظة الزرقاء بتحويلها إلى واحات خضراء ، وأنهم سيتمكنون من السباحة في سيل الزرقاء قريباً.

وبالصدفة وقبل أيام أطلعني أحد الأصدقاء على تقرير مزعج يشير إلى تلوث المياه الجارية في مجرى سيل الزرقاء وإلى خطورة الزراعات المروية من الخضار والفواكه التي نأكلها ونطبخها كالبندورة والخيار والخس والفلفل الأخضر والبصل الأخضر والملفوف والجزر والفجل والزهرة والنعنع والجرجير والكزبرة والبقدونس والفراولة والباذنجان والكوسا والملوخية والعنب والإجاص والخوخ والدراق والليمون والبرتقال .. الخ والقائمة طويلة.

لكن هناك أيضاً قضية أخرى لا تقل أهميتها عن المزروعات المروية وهي الأسماك التي يتم اصطيادها بواسطة الشباك من سد الملك طلال فهي غير صالحة للإستهلاك البشري ولا يوجد نصٌ قانوني خاص يمنع الصيد في السد لذلك يطلق سراح الصياد في نفس اليوم بعد توقيعه على تعهد مما جعل الصيادين يستمرون بعملهم غير آبهين بصحة الناس .. فأقل صياد يجمع ما يزيد عن ٢٢٠ كيلوغرام يوميا من الأسماك ويبيعها في السوق المحلي بسعر رخيص دون أن يعلم المشتري مصدرها ومكمن خطورتها .. فالبسطاء من المواطنين يشترون تلك الأسماك كونها رخيصة وطازجة لكنهم للأسف لا يعلمون أنها ملوثة.

فبالتأكيد أنه من المُجحف تحميل حكومة الرئيس الخصاونة المسؤولية الكاملة عما يجري من كارثة صحية وبيئية في مجرى سيل الزرقاء وعلى جانبيه والأراضي المرتفعة من حوله .. فكل ما نشاهده ما هو إلا تراكمات لأداء حكومات سابقة .. والمشكلة قديمة ومازلت مستعصية عن الحل ومجرى السيل لا زال يُستخدم مكباً للنفايات الصناعية ومخلفات البناء والأنقاض.

فقديماً كان لسيل الزرقاء عدة روافد تبدأ من منطقة رأس العين بعمان مروراً بالرصيفة والزرقاء ثم السخنة ثم طواحين العدوان ثم يلتقي بجرش وينابيع كثيرة كانت منتشرة هنا وهناك .. فما ينساب حالياً من مياه في سيل الزرقاء هي مياه عادمة لا تصلح إلا للزراعات المقيّدة.

فللأسف مازالت مؤسسات الدولة تعيش حالة صمت مريب وسكون وركود فلا نرى وجوداً لخطط حقيقية لإنهاء تلك المعضلة البيئية والصحية الخطيرة .. فغياب الكفاءة في بعض الوزارات المعنية بتلك المشكلة تُكلف الدولة حوالي ١٠٪؜ من إجمالي الناتج المحلي.

قد يعجبك ايضا