البطاينة: استقراء لمكونات المشهد السياسي الأردني القادم والإنخراط في إعادة ترتيب أوراق الإقليم المُتعب والمُرهق .. والحكومة ومجلس النواب على قيد الحياة .. ورئاسة المجلس لن يحدث عليها تغير

27

كتب المهندس سليم البطاينة..

كل الظروف المحيطة والأحداث الجارية بالمنطقة تجعل مطبخ القرار حريصاً على إبقاء الحكومة ومجلس النواب على قيد الحياة لإعتبارات داخلية وخارجية أهمّها ترتيب الأوراق واستعادة الدور الإقليمي الأردني القديم في المنطقة وإعادة إحياء ملف القضية الفلسطينية الذي أصبح خارج السياق العربي ، خصوصاً في وقت تُرسم فيه صورة جديدة للمنطقة .. مما يعني أن السيناريوهات المتداولة حول انتخابات مُبكرة ورحيل الحكومة فيها شيء من الخيال الهوليودي.

فهنالك تسارع وحراك لايخفيان لِلَملَمة قضايا شائكة ومعقدة كثيرة من حولنا بعد معاناة طويلة من الحصار والمقاطعة ، وهذا يُحيلُنا إلى أن أحداً لا يملك ترف الوقت لرؤية مناكفات سياسية داخلية من شأنها تعكير الأجواء العامة ، فلدينا جبل من الأزمات المتراكمة تحتاج إلى معالجة .. أي بمعني أن الحكومة الحالية عالقة بملفات داخلية لا يمكن لها أن ترحل قبل استكمالها كاتّفاقيّتها مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وهذا لا يلغي إمكانية أن تتعرض الحكومة الحالية من وقت لآخر لإهتزازت وحالات من النكد السياسي التي تُعيق مسيرتها ، فالحكومة باقية وخليفتها لاتزال في الخيال.

وعلى الجانب الآخر انطلق صراع محموم ومبكر على كرسي رئاسة مجلس النواب في الدورة العادية القادمة وسط تواجد قوي لعدد من الأسماء البارزة التي تنافس بقوة .. غير أن المؤشرات تقول أن التنافس في النهاية سَيصُب في مصلحة الرئيس الحالي للمجلس المحامي عبد المنعم العودات .. وإن مجلس النواب لديه الكثير من القوانين المهمة التي تَقبع داخل أدراجه ويُنتَظر البث بها وملفات أخرى تهم المواطنين وتدخل في صلب حياتهم اليومية.

والرئيس الخصاونة إذا قدّر له إجراء تعديل على حكومته فإنه بالتأكيد سيحاول جاهداً التخلص من وزراء التنفيعات والتأزيم ولن يغرق في مستنقع المناكفات الجانبية وسيعمل قدر الإمكان تجاوز الألغام التي تواجهه.

فمع صدور الإرادة الملكية قبل ثلاثة أشهر تقريباً بتشكيل لجنة تحديث منظومة العمل السياسي بدأت التكهّنات والتحليلات وبث أجواء متضاربة تقول أن الحكومة ومجلس النواب في طريقهم إلى الرحيل.

حيث رأت الأوساط السياسية الأردنية المتزنة أن رئيس اللجنة الملكية سمير الرفاعي صعد سريعاً إلى أعلى السُلم ، وهذا في اللعبة السياسية يُشكلُ خطئاً فادحاً كونه الرفاعي أعطى انطباعاً بشكل مباشر أو غير مباشر ومن خلال بعضاً من أعضاء لجنته المُقربين منه أنه الرئيس القادم للوزراء.

وكل ذلك تقاطع مع المعطيات الجديدة المتوقّعة للإقليم من مشاريع سياسية واقتصادية قادمة .. فالأردن كان ومازال يعاني من مأزق إعادة الإعمار السياسي والإقتصادي.

لذلك فإن المشهد السياسي القادم هو مشهد متحرك يحمل الكثير من التحديات ، حيث يظهر لنا أن المسار الجديد للسياسة الخارجية الأردنية هو البحث عن الدور الإقليمي والدولي القديم والمفقود منذ سنوات طويلة عبر نسج تحالفات سياسية جديدة مع قوى إقليمية ودولية.

والجغرافيا السياسية بعد رحيل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لم تتغير وحدها في المنطقة بل تغيرت معها أنماط الفكر والسلوك السياسي العربي والدولي بشكل عام .. ومعظم قادة الإقليم أدركوا حقيقة مهمة أنهم لن يكسبوا شيئاً في صب الزيت على النار المُستعرة .. وما سنشاهده قريباً سيكون له هدف معين أو غاية يُراد الوصول إليها وستكون له أعراض وإشارات مُسبقة تُنبىء وتُهيأ لحدوثه .. فما نعنيه بالمشهد السياسي بشكل عام هو إدراك الديناميكية السياسية الفاعلة وخارطة اللاعبين والتغييرات التي طرأت على أدوارهم وعلاقاتهم والإمكانيات التي يملكها كل منهم.

إذ ليس من المُستغرب أن يُسجل الحوار الإقليمي والدبلوماسية عودة قوية تعمل على نزع فتيل الخصومات الإقليمية لإنهاء الصَدع بين الأصدقاء والإنتقال إلى مربعات جديدة تقود إلى حالة من التوازن السياسي بالمنطقة خصوصاً في وقتٍ يتم فيه رسم خريطة النفوذ بالإقليم .. حيث تعتقد أمريكا أن المنطقة بحاجة إلى شرطي جديد.

فهناك قوى إقليمية تعكف حالياً على إعادة ضبط سياستها الخارجية لإستعادة علاقات قديمة مع جيران مُبعَدين.

وبمعزل عن حجم الأزمات المتوارثة التي يستحيل معالجتها دفعة واحدة أو بين ليلة وضحاها .. فالمرحلة القادمة تتطلب وقتاً كافياً قد يطول نسبياً لإعادة هندسة قواعد اللعبة السياسية القادمة وأن يتم من خلالها تشخيص مكامن العَطَب من حيث بنية النظام ووظائفه وشخصياته لتحديد المشكلة لإعادة تشكيل موازين قوى جديدة وتفكيك القديم منها وفق قواعد سياسية وقانونية ودستورية.

فرغم أن الديموقراطية الأردنية جزئية فقد نسي النواب أنهم أعلى سلطة في البلاد ومرّ عام من عمر مجلسهم من غير هدف ضاعت فيها الرؤية وتوقفت فيها البوصلة ، حيث بات من الصعب عليهم الانطلاق في بناء مشروع إصلاحي على أرضية معتلّة تفتقد لشرط الملائمة.

قد يعجبك ايضا