الإسلام السياسي في مأزق

205

بقلم : المهندس سليم البطاينه:

قبل الخوض في صُلب مقالي هذا لابد من التذكير أن ثورات الربيع العربي كانت بمثابة إيذان بدخول الحركات الإسلامية إلى اللعبة السياسية.

وكثيرة هي العناوين الإفتراضية التي كان من الممكن أن تكون عنواناً لمقالي هذا مثل ( أزمة الإسلام السياسي .. أو انحسار الإسلام السياسي ، وانتكاسة الإسلام السياسي .. وتهشيم الإسلام السياسي ، ونهاية الإسلام السياسي .. وإخفاق حركات الاسلام السياسي .. والإسلام السياسي أمام حتمية المراجعة أو الإندثار ، والدخول في أفق ما بعد الإسلام السياسي .. ألخ.

فأسباب تعثر وفشل تجارب الإسلام السياسي لا يمكن حصرها في مقال واحد ، ولا يمكن لنا الوقوف عند العناوين الكبيرة لهذا الفشل المزدوج لأن له أسباب كثيرة داخلية وخارجية .. فالتجربة التونسية والمغربية كان لهما ما يكفي من الوقت لتنفيذ برامجهما وتطبيقها على أرض الواقع.

فجذور مفهوم مصطلح الإسلام السياسي والذي هو بالأصل مصطلح مستورد من الغرب ، فقد تداوله العلمانيين العرب من قوميين ويساريين في صراعهم السياسي وجدالهم الفكري مع الحركات الإسلامية التي سجلت صعوداً كبيراً خلال النصف الثاني من القرن العشرين ، مستغلة حالة الفراغ وانهيار الفكر القومي العربي كأيديولوجية بعد هزيمة عام ١٩٦٧.

وجذور هذا المصطلح تمتد أيضاً إلى مرحلة ما بعد انتهاء الخلافة العثمانية .. حيث نشأت وقتها تيارات فكرية ، وتكونت جماعات إسلامية لإستعادة النظام السياسي الإسلامي ( الخلافة ).

فعلى الرغم من التنوع الكبير في فهم مصطلح الإسلام السياسي إلا أن معظم من تبنى ذلك المصطلح ينقسمون إلى فئتين رئيسيتين : الأولى يمكن أن يطلق عليها ( وجهة النظر السياقية ) ، والتي تعتقد بأن سياسات وممارسات الأحزاب السياسية لا تقودها الأيدلوجية بقدر ما تقودها الاحداث .. فقد وصفها العالم السياسي الأمريكي Steven Brooke بأن أصحاب وجهة النظر السياقية يسعون إلى التكيف مع الظروف والأعراف الخاصة بالبلد المعني ، والهدفُ من ذلك هو البقاء على قيد الحياة.

أما وجهة النظر الثانية ( وجهة النظر الجوهرية .. أي بمعنى لا فصل للدين عن السياسة ) والتي تؤكد أن الإسلاميين هم في الأساس أيدولوجيون .. وينظرون إلى صندوق الإقتراع على أنه مجرد طريق إلى السلطة ، وبمجرد وصولهم يستبدلون الديموقراطية بالثيوقراطية.

وهناك الكثيرين من علماء السياسة في العالم الغربي والعربي تناولوا مفهوم الإسلام السياسي بشكله ومضمونه.

فقبل أكثر من قرن من الزمان قاد جمال الدين الأفغاني أحد أعلام التجديد في عصر النهضة العربية الإسلامية الحديثة محاولات عدة لجعل الإسلام أكثر قابلية للفهم عن طريق الدعوة لتكييف الحياة الإسلامية مع وجهات النظر الغربية حول عدة قضايا كالإقتصاد والسياسة .. ومن بعده جاء عالم الدين المصري محمد عبده حاملاً نفس أفكار جمال الدين الأفغاني.

فأثناء بحثي عن محتوى لمقالي أعجبني كتاب ( مستقبل الإسلام السياسي ) ل Graham Fuller الباحث والمحلل السياسي الأمريكي المتخصص في التطرّف الإسلامي .. فقد حاول Fuller في كتابه ( مستقبل الإسلام السياسي ) الإجابة عن عدة تساؤلات أهمها : ما هو الإسلام السياسي ؟ وما هي التحديات التي تواجهه ؟ وإلى أين يتجه ؟ وما مدى تأثيره في العالم ؟

حيث تساءل Fuller في كتابه هل ظاهرة الإسلام السياسي مجرد حركة انتقالية لمرحلة حرجة من تاريخ العالم الإسلامي ، أم أنها بداية تحول وتغير حقيقي ؟

وبين أنه لابد من التفريق بين الإسلام كدين وبين الإسلام كسلوك .. فنقد الأخير لا يعني نقد الأول ، وذهب Fuller إلى أن الإسلام عبر تاريخه لم يكن مناوئاً لليهودية أو المسيحية.

أما ما طرحه المستشرق الفرنسي والباحث والعالم السياسي ، والأستاذ في جامعة Florenc في إيطاليا Olivier Roy في كتابه ( فشل الإسلام السياسي ) كان مختلفاً عن الطروحات السابقة وكان فيه نوع من الجرأة .. وقال أن هناك أسباب رئيسية لفشل وتعثر الإسلام السياسي.

أولها : لم تعرض الحركات الإسلامية أي حلول اجتماعية واقتصادية ذات معنى.

وثانيها : هو فشل الأحزاب الإسلامية في إيجاد سياسة شمولية وديموقراطية ، واخفاقها بشكل عام في تقديم نموذج مقبول وواقعي لأي مشكلة يواجهها العالم الإسلامي .. مما أدى إلى فقدان تيارات الإسلام السياسي الكثير من سمعتها ، بحيث فشلت فشلاً ذريعاً في تحديد خياراتها الإقتصادية ، ولم تكن في مستوى التحديات الإجتماعية.

فالحل إذاً للمشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية المعاصرة لا يمكن أن يكون بالعودة إلى الماضي.

وهنا لا ننسى ما تحدث به الدكتور والطبيب المصري مصطفى محمود في كتابه ( الإسلام السياسي والمعركة القادمة ) قبل عقود من الزمن حول جدية الحركات الإسلامية في الإنتقال من الإصلاح الفردي إلى الإصلاح الإجتماعي والحضاري والحداثي.

وأيضاً أطروحة الدكتور والباحث والأستاذ في جامعة Denver الأمريكية نادر الهاشمي ( من أصل إيراني ) مؤلف كتاب ( الإسلام والعلمانية والديموقراطية الليبرالية ) حيث شبه صعود الإسلاميين في الشرق الأوسط في القرن الماضي بالحركات الأصولية البيوريتانية التي شهدتها أوروبا في القرن السادس والسابع عشر الميلادي .. فالتشابه بينهما كان كبيراً في السياق السياسي والخلفيات الإجتماعية والإقتصادية.

وكان كتاب ( لعبة الشيطان ) والإسلام السياسي وأمريكا للكاتب والصحفي الأمريكي Robert Dreyfus واحداً من أكثر الكتب اقتراباً في فهم الدعم الأمريكي والغربي لمشروع ما يسمى بالإسلام السياسي عن طريق تأجيج الصراعات المذهبية في العالم العربي .. فقد عرض في كتابه الكثير من الخفايا عن التحالفات السرية والغامضة التي عقدتها أمريكا على امتداد عدة قرون في رعاية وتشجيع التيارات الإسلامية الراديكالية.

فعلى ما يبدو أن قصة التيارات الإسلامية في العالم العربي أُستُهلكت وأدت الغرض منها .. وما يطُرح الآن من تساؤلات عميقة حول مستقبل الإسلام السياسي يعني بالضرورة مراجعات غير معلنة للوعاء الإنتخابي وإلى مراجعة داخلية شاملة لتقييم تجربتهم في العمل السياسي خلال العقود الماضية لِلَململة أوراقهم المبعثرة وتجميع قواهم المُنهكة.

فقد كان واضحاً قبل الإنتخابات المغربية الأخيرة بأن حزب العدالة والتنمية الإسلامي ليس في أحسن أحواله .. فعقب الهزيمة المدوية لهم في الإنتخابات الأخيرة قبل عشرة أيام وانخفاض عدد مقاعدهم إلى ١٢ مقعداً بعد أن كان ١٣٥ مقعداً في انتخابات عام ٢٠١٦ .. والوقع الأكبر من فشل الحزب هو فشل أمينه العام ورئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني في الحصول على مقعد داخل البرلمان .. فقد نافسه شاب في مقتبل العمر ليس له أرثاً سياسياً يُذكر .. فلم يكن متوقعاً أن يخسر حزب العدالة والتنمية الأسلامي في المغرب حوالي ٩٠٪؜ من مقاعده في مجلس النواب وفي عدة بلديات مغربية مهمة.

فهزيمة حزب العدالة والتنمية في المغرب هي هزيمة للإسلام السياسي لا يمكن إنكارها وقد تتجاوز قريباً حدود المغرب .. لكنها بنفس الوقت انتصاراً ونجاحاً للدولة المغربية التي أثبتت مرة أخرى قوة مؤسساتها من جهة والوعي السياسي العميق للشعب المغربي من جهة أخرى.

فإزاحة حركة النهضة عن السلطة في تونس يفتح المجال لطرح الكثير من التساؤلات حول الأسباب الحقيقة لإنخفاض شعبية الحركات الإسلامية في الشارع العربي.

وفشل حركات الإسلام السياسي في العالم العربي لا يعني نهاية الدين في المجتمع أو اندثار الإسلام بمعنى أخر .. فالإسلام سيبقى مرجعية ثقافية وهوية .. وهذا ما يجعله يسمو فوق كل أنواع الأيدلوجيات السياسية في العالم.

قد يعجبك ايضا