نجاحُ مخرجات الإصلاح السياسي مرهونٌ بالإنفتاح على مفهوم التنمية الإنسانية ومراجعة الدستور .. وقانون الأحزاب أهم من قانون الإنتخاب فهو يُمثل العمود الفقري للحياة السياسية.

89

بقلم  :  المهندس سليم البطاينه:

 

يُعتبر الإصلاح السياسي في الأردن أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد على حد سواء ، فعندما نُفكر في أحداث تغير ما فإننا نسأل أنفُسنا كيف يبدأ الإصلاح ؟ وكيف يُمكنُ ضمان استقراره ؟ وكيف لنا التنبؤ بالسلوك السياسي لعامة الناس ؟ وما هي البنية السياسية النموذجية المناسبة للمشاركة السياسية ؟ فالإصلاح السياسي كما قال عنه Lucian Pye المحاضر في معهد Massachusetts Technology في أمريكا أنه عملية تغير في تعديل شكل الحكم داخل الدولة وفِي إطارها السياسي القائم.

والسؤال المطروح حالياً : كيف نُشرك الأردنيين في الحياة السياسة ؟

فما زال مشهد الإصلاح السياسي في الأردن يعيش على وقع فوضى تتصف في الكثير من أوجهها بنوع من الإستهتار .. فالأحزاب السياسية الحالية ما زالت تلعب دوراً هامشياً في الحياة السياسية وسط حالة عزوف شعبي عن الإنضمام إليها.

وإن الحديث عن الأحزاب هو حديث يبعث الشجن والألم السياسي .. فالبنية السياسية الحالية لا زالت غير منفتحة على الأحزاب إلا في حدود لقاءات محددة وعند الحاجة .. ومازال هناك استبعاد رسمي للأحزاب السياسية في المؤسسة التشريعية وهذا بحد ذاته لا يؤمن مناخات ديموقراطية.

فقد ارتبط ظهورها بظهور المجالس النيابية .. وأهميتها وفاعليتها جائت من مشاركتها في الإنتخابات .. فإذا ما أفرزنا قانوناً للأحزاب يُحتدى به وكانت هنالك إرادة سياسية حقيقية لبناء أحزاب أردنية ذات فاعلية قادرة على تحويل المشهد السياسي لصورة أفضل .. عندها ستكون هناك فرصة كبرى للأحزاب خلال الفترة القادمة لتكوين رؤية استراتيجية قوية تمنحهم شعبية التأثير في الشارع الأردني.

رغم أن الواقع يقول أن تنمية دور الأحزاب السياسية في الحياة السياسية مهمة تقع على عاتق الدولة.

ولإستباق مخرجات اللجنة الملكية لدي سؤال مهم : هل أخذت اللجنة الملكية بعين الإعتبار أن فرص نجاح مخرجاتها مرهونة بالإنفتاح على مفهوم التنمية الإنسانية ومراجعة الدستور ؟

أي بمعنى النظر للتعديلات الدستورية السابقة ولقضايا الفقر والبطالة وغياب العدالة الإجتماعية بنظرة صحيحة .. علماً أن مؤشرات التنمية البشرية هي الصحة والتعليم وتوفير فرص للعمل، ورفع المستوى المعيشي للأفراد .. فكل تلك القضايا تُعرّضُ الإصلاح السياسي والتنمية السياسية للخطر .. وهذا يقودُنا إلى نظرة تشاؤمية وإلى استفهام آخر وهو : من سينقذ عملية الإصلاح السياسي في حال فشلها ؟

فالأردن مُثخنً بأزماته ولا يحتاج إلى المزيد من مُسببات التلبكُ السياسي ، ومراجعة الدستور هي ركائز خارطة الطريق الإصلاحية والعبور إلى الإستقرار السياسي.

وإذا أجاز لي أن أصف المشهد فقد أُغامرُ بالقول أنه بعيد كل البعد عن التفاؤل .. فالعزوف عن العمل السياسي والخوف على المستقبل ظاهرة تاريخية غير مسبوقة ، فكثيرٌ من النُخب آثرت الإبتعاد عن المسرح السياسي وانصرفت نحو الإعتدال الطوعي ، وباتت تخاف من النقاش حول أزمات الدولة وأحدثت فراغاً سياسياً عميقاً.

أما فيما يخص التنمية الانسانية فما زال موضوع الفقر والبطالة والفساد مُتشعب وحكاياته كثيرة ومؤلمة ، فحوالي ٥٥٪؜ من الأردنيين أصبحوا فقراء في طعامهم وشرابهم ومستوى معيشتهم ، والأرقام صادمة والفقر يضرب البلاد ويأخذ مُنحنى تصاعدي ولم يعد كما كان عليه سابقاً من أُناس يُعانون من البؤس ويتسوّلون لتأمين قوتهم .. فقد تغير هذا المفهوم وأصبح فقراً متعدد الأبعاد ، ويعني من ليس له دخل جيد ومن لا يستطيع تأمين سكن ورعاية صحية وتعليم جيد .. ومن لا يستطع الإنفاق على تعليم أولاده .. وهذا النوع من الفقر هو الأخطر لأنه يُشكلُ تهديداً للإستقرار الإجتماعي والسياسي حيث يضرب بُنية المجتمعات.

فما يجري في الأردن حالياً هو تدهور اجتماعي خطير غير مسبوق .. فالفقر لا زال يتمدد ويضم المزيد إلى أتباعه سنوياً.

والسياسات الإقتصادية السابقة عمّقت الجراح فقد تم رسمها على خيط رفيع أُنتُهكت فيها حقوق الفقراء .. ولم تكن لدينا مشاريع تنموية حقيقية لمحاربة الفقر لخلق فرص عمل .. فالمشاريع التي قيل عنها أنها تخُصُ الفقراء كانت مجالاً لنهب وسرقة المال العام.

فالدولة وللأسف ما زالت عاجزة عن بلورة برامج ومشاريع تنموية توفر العيش الكريم للفقراء ، والبنك الدولي وصندوق النقد لا يُركزون إلا على الأمور المالية كعجز الموازنة وارتفاع الدين العام وخدمته وفرض شروطاً تُنهك الناس في معيشتهم ، دون النظر إلى المسائل الإجتماعية.

فأين هي العقول الإستراتيجية التي تضع الأفكار والمخططات لمستقبل الأردن ولمستقبل الأجيال القادمة ؟ فلا يكفي أن تكون هناك خارطة طريق كما يقولون لسنوات قادمة .. فالخرائط تُحدد طُرقاً وترسُم تضاريس ، لكن الطريق نفسه قضية أخرى .. فماذا أعددنا لمواجهة المحبطين والمتشائمين من الغد ؟ فالفقير والغني وميسور الحال في الأردن يشعرُ بالإحباط وأصبح التفاؤل جزئي ومؤقت وأحياناً يولد الإكتئاب.

فما زالت إشكالية الإصلاح بشكل عام تتمثل في البحث عنها وفِي أسباب غيابها.

قد يعجبك ايضا