المذكرات السياسية بين مِحنة الحقيقة وعدم الإقتراب من المناطق المُحرّمة تجنُباً لوجع الرأس !!

199

المهندس سليم البطاينه

حملت لنا السنوات الأخيرة ظاهرة تتمثل في تزايد إقبال الشخصيات العامة ممن شغلوا مواقع سياسية سابقة على نشر مذكراتهم وسيرهم الذاتية والتي تناولت علاقاتهم في زمنهم وتجربتهم الفكرية والسياسة .. وهي بالتأكيد فرصة تاريخية لتأمين مكان لهم في التاريخ ، فمهما كانت ذاكرتهم قوية فهي معرضة لأن يتسلل إليها النسيان.

ومعظمهم لديهم الثقافة العالية والمركز الإجتماعي ، والبعض منهم لديه ذاكرة فوتوغرافية ذات طابع رومنسي .. وجميعهم للحَق كتبوا مذكراتهم على نحو أخلاقي مبتعدين عن منطقة التعري والبَوح الذي قد يسبب صدمة الوعي.

فمذكراتهم شكّلت جدلاً واسعاً في الوسط الاجتماعي ، كونها سلاح فتّاك في التسويق السياسي ، فقد فتحت العديد من التساؤلات حول شهادة كل منهم : ما هو مسموح وما هو ممنوع الإشارة إليه ؟ وما هي المعايير المتبعة لقياس أمر ما أو موقف ما ؟ وهل كتابة تلك المذكرات تحتاج لأخذ تصريح أو إذن ؟

وغالباً ما يُنظَرُ إليها على أنها أقل أكاديمية وذاتية بشكل مفرط وجزئية في التحليل وسرد الأحداث ، وهي مفتوحة للنقد .. فالتاريخ السياسي الأردني المُدون حالياً نسبي فثمّة تناقضات عديدة في شهادات الكثير من السياسيين بشأن الحدث الواحد.

فكثيراً منهم كتبوا ما يشبه سيَرهم الذاتية فقط والتي هي برأيي تضاريس خارجية ولم يقتربوا من المناطق المُحرمة تجنُباً لوجع الرأس الذي قد يثيرهُ ما كتبته أيديهم .. فقد بقي الكثير من الأحداث والشهادات حبيسة الأدراج تحت خانة الحفاظ على أسرار الدولة وأمنها القومي فهنالك وقائع لم يجرؤ أحد على عرضها وكشفها وأحداثٌ وروايات تعرّضت لطمس حقائقها تحت سيف أسرار الدولة.

وتعتبر المذكرات السياسية والسير الذاتية مصدر مهم لكتابة التاريخ .. فهي مرآة عاكسة عن جدل سياسي اجتماعي وهي جزء من الأرشيف الإجتماعي والوطني للدولة فهي تكشف ما لا تكشفه الأرشيفات ، وأحياناً لا تكون حيادية لأن جوهرها ذاتي ، لكنها توفر أمامنا رؤية من زاوية معينة تُركزُ على بعض الأمور وتتجنب أموراً أخرى .. وأحياناً أخرى تكون انتقائية.

والسؤال الذي يتساءله المدمنين السياسين من القُرّاء ؛ هل قيل كل شيء في تلك المذكرات التي نشرت ؟ والجواب هو ربما لا ! فهناك من يرى ويعتقد بأن هناك حقائق لم يحن بعد آوان الكشف عنها .. فلابد من إعطاء مساحة للإتفاق والإختلاف فالماضي لم يمض .. وتاريخ الأردن بحاجة إلى معلومات توثّق أرشيفنا وتاريخنا السياسي.

فهناك من يتطوع بالكتابة ويجتهد في إخفاء ما يحب إظهاره ويتعمد إضافةً هنا أو حذفاً هناك ، وهذا يجعله في أن يضع في ذهنه مئات الضوابط والمحاذير لتكون الكتابة والشهادة ناقصة وغير مكتملة لأن هناك وجهاً آخر للحقيقة.

وكل ذلك يقودنا إلى أن الكشف عن الحقيقة في صُلب ومضمون المذكرات السياسية غير ممكن وغائب .. وأحياناً مجزّئ .. لكنها بنفس الوقت قد تحمل الكثير من المعلومات حول أحداث سياسية بعينها يمكنها أن تُضيء المشهد أكثر بكثير من ذلك ، ويمكن لها أن تُخبرنا عن مفاعيل الحقل السياسي الغير ظاهر الذي تُصنع فيه القرارات السياسية الحاسمة.

فإذا أردنا أن نرى الصورة بأكملها يجب أن نعتمد على الأرشيفات والمُذكرات إلى جانب التاريخ الشفهي لحفظ الذاكرة الوطنية من الإهتراء .. رغم أن هناك من يطعن في صدق الرواية الشفهية كونها استرجاعية خاصة في ظل وجود مذكرات انحرفت عن الدقة تحت ضغوط كثيرة .. فتدوين التاريخ هو حافظة ذاكرة الوطن .. والوعي في التاريخ هو الذي يُشكل ذاكرتنا فهو العامل الأساسي في تعميق الهوية.

فمن الذي سيعترف بتاريخنا إذا كان الحاضر يكتب بالمقلوب ، فالخوف من ترك فجوات في التاريخ إذا لم توضع فيها الحقيقة.

وبعد قراءتي لمعظم تلك المذكرات أرى أننا بحاجة الى دراسات تحليلية مُعمّقة حيث أنها أحد المصادر المكملة لتاريخ الأردن بحكم أن من كتبها كانوا فاعلين وسياسيين شاهدين على جميع الأحداث التي عاشها الأردن .. أي بمعنى ألا تُختزل فقط في شكل معلومات.

فلا يمكن لأي كان إلغاء الأحداث التي مرت علينا من ذاكرة التاريخ خلال عقود مضت ولابد من تدوينها كما هي دون زيادة أو نقصان ، ويجب أن يُترك للقارىء حرية تكوين تحليله الخاص ورؤيته للأسباب الحقيقية لكل حدث .. فلكل واحد قراءته الخاصة للأحداث.

فالصّمت أحياناً أسلم وغياب الشهادة أفضل من نشرها منقوصة ومغلوطة .. فلماذا نَحرم الأجيال من ماضٍ يحتاجون معرفته ؟فالحياة محطات راية تُسلّم من جيل إلى آخر .. فالذين كتبوا سيرهم الذاتية فقط لم يكن لديهم جوانب تحليلية للأحداث ولم يقدموا تفسيراتهم الذاتية وموقفهم مما يجري وجرى دون الغوص في العمق.

قد يعجبك ايضا