هندسة الجهل وتدجين الشعوب واستئناس العقول تُفضي تدريجياً إلى اللاهويّة

219

الأردن اليوم – مقولة أعجبتني للكاتب الأمريكي Ray Bradbury صاحب الخيال العلمي في كتابه ( Fahrenheit 451 ) إذا كنت تعرف كيف تقرأ ، تكون أكملت تعلمك عن الحياة .. وإذا لم تكن تعرف كيف تقرأ فإنك لن تعرف كيف تقرر ( انتهى الأقتباس ).

مشكلتنا الكبرى في وطننا العربي ليست مع الألم والإيلام ولا مع الفساد والظلم ، وإنما هي مع التجهيل وسياساته اللامرئيّة .. فسياسة التجهيل وغياب الوعي وما يرافقها من تظليل إعلامي رسمي أفرغت كل شيء من معناه ومحتواه.

ولأسباب نفسية وتراكمات تاريخية لا زلنا نُكابر في مسألة الإقرار بأزماتنا البنيوية التي تقلق حاضرنا وتؤرق مستقبل أجيالنا ، وتهدد استقرارنا.

فالمواطن العربي يحترق ويتوجع ولا يجرؤ على الصراخ بما هو مسكوت عنه !! وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال في غاية الأهمية : هل تُسرق الأوطان من الشعوب ؟ فالإجابة بنعم ، فحين ترتبك الهوية وتتلاشى الأحلام ، عندها ليس من السهل أن تختار الوطن وأن يختارك أي وطن ، لأن الهوية حينها تبقى رهينة للتقلّبات السياسية.

فتشكيل وعي الشعوب تم التراجع عنه بعد انتهاء الربيع العربي ، وهو أمر في غاية الخطورة يقود تدريجياً إلى مفهوم خطير وهو اللاهويّة .. فالليبرالية والشمولية والعولمة والخصخصة وبيع منشآت القطاع العام وانهيار الإدارة العامة للدولة جميعها تُفضي إلى اللاهوية .. فالتعامل مع شعوب جاهلة ومُجهّلة أيسر بكثير من التعامل مع شعوب لم تفقد بعد قدرتها التحليلية التي تسمح لها برفع اللاءات متى استوجب الأمر ذلك.

فغياب الوعي لدى الشعوب له فاعلية كبيرة في تهميش العقول والإدراك واستنفاذ الطاقات .. فعند تأزّم الوعي لدى أفراد المجتمع سيتهالك بناءه وتزداد مشاكله الإجتماعية.

ففي المجتمعات المتأخرة فكرياً وثقافياً تتم الوصاية على الأفكار والآراء ولا تجد مساحة من البَوح ، فبقدر ما يُجَهّل المجتمع بقدر ما يتأتّى التحكم فيه والدفع به .. فصناعة الحيرة وإثارة الشكوك وبث المخاوف كلها أدوات مركزية على درب التجهيل المُؤدي إلى التّمكين واللاهويّة ، وهذا ما يتم صناعته من خلال الإعلام بإختراع مصطلحات فضفاضة بأننا مستهدفون.

فيوماً بعد يوم تتفاقم ظاهرة التجهيل وإشاعة ظُلمة الجهل وانتشار التخلف العقلي والعجز عن إيجاد الحلول لإيقاف الإنحدار الهائل والتالوث المدمر ( كالفقر والمرض والبطالة ).

فما تعيشه الشعوب العربية اليوم هو دون أدنى شك انتصار فضيع للجهالة العمياء في تدبير شؤونهم العامة.

فثورة الوعي هي الأساس لتقدم الشعوب لأنها تُحوّل الناس من مستهلكين للمعرفة إلى مشاركين في صناعتها فليس هناك شعوب غبية وأخرى ذكية ، فالشعوب هي الشعوب في كل مكان والفارق هو درجة الوعي والخبرة التاريخية التي مرت بها تلك الشعوب .. فلا يمكن استنساخ تجربة رفع وعي شعب من الشعوب على تجربة أخرى في مكان وزمان مختلفين .. فالقاسم المشترك الذي ينبثق منه نور الوعي هو الحرية والعدالة الإجتماعية.

لكنه للأسف فغالبية الشعوب العربية هي شعوب ماضوية تعيش وتقتات على الماضي ، فالعرب ما زالوا يعيشون على الأطلال والأمجاد البائدة وفي وحل من التخلف الفكري والحضاري ولم يحاولوا أن يصنعوا طريق للمستقبل ، رغم أن العلاقة بين مسار الأحداث ودرجة الوعي علاقة مباشرة.

إنها كارثة في المشهد العربي فالفرق بين العرب والغرب هي النقطة !! فهم غرب ونحن عرب ، وهم شعب يختار ونحن شعوباً تحتار .. فهم تحالفوا والعرب تخالفوا .. فالبطالة بين الشباب في الوطن العربي وصلت إلى حوالي ٦٠٪؜ وهناك ١٥٠ مليون مواطن عربي يعيشون تحت خط الفقر ، ناهيك عن الأمراض وانهيار البنى التحتية للإقتصاد وانحداراً في البحث العلمي الذي لم يتجاوز 0.3% من إجمالي الناتج القومي العربي فقد تم هدر ألف مليار دولار بسبب الفساد في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

فإلى جانب التخلف السياسي والإجتماعي والإداري هنالك تخلف اقتصادي كبير بسبب هيمنة اقتصاد الريع حيث لا وجود لإقتصاد مهيكل ولا لأسواق منظمة ،

فتجهيل الشعوب تُعني الكثير كتفكيك الدولة والعودة بها إلى محاضن الجهل وإفقارها ومنع أي نهضة عنها ، وطمس الشخصيات المؤثرة والصادقة منها وتغيبها عن الواقع حتى يسهل التحكم فيها أكثر.

فأخطر ما يتعرض له المواطن العربي حاليا هو موجة غياب الوعي السياسي فهنالك صورة مرعبة للمستقبل المنظور.

ومن هنا علينا إدراك أن التخريب الداخلي في الوطن العربي هو استراتيجية ممنهجة يتم عن طريقها اختراع فزاعات وهمية وعدو وهمي لا وجود له ، لإشغال المواطن العربي بكيف يأكل وكيف يشرب وكيف يعيش.

فالتاريخ الذي سيكتبه أبناؤنا سيكون مليئاً باللعن والشتم .. فهل يصحو الضمير ونراجع واقعنا ونعيد حساباتنا من جديد ؟ فالعرب الآن أمام تشكُّل وعي جديد يستندُ في مساراته إلى حقائق مُزعجة وهو الخوف على المستقبل.

قد يعجبك ايضا