البطاينة يكتب: الدّولةُ تَفقد هيبتها عندما تُسنِدُ دور البطولة للمراهقين والمُشاغبين وصبيان السياسة، وتُمعنُ في عملية التوريث السياسي.

468

الأردن اليوم – المهندس سليم البطاينة:

الدّولةُ تَفقد هيبتها عندما تُسنِدُ دور البطولة للمراهقين والمُشاغبين وصبيان السياسة ، وتُمعنُ في عملية التوريث السياسي.

لا يمكنُنا تجاهل حالة الإرتباك والفوضى في الشارع الأردني بشكل عام ، فقد بات الأردنيون يتحدثون يومياً في مجالسهم ومناسباتهم عن الواقع الأليم والمُزري الذي يعانون منه .. فمعنويّاتهم مكسورة وأحوالهم لم تكن في يوم من الأيام محل ضعف وجدل مثلما هي الآن ، ولم يسبق أن مرّ في تاريخ الأردن حالة من الغضب والإعتراض والرفض على واقع التدهور الجاري في البلاد.

فليس كل ما هو مفروض هو الصحيح ، فهيكل العلاقة المُتأزم بين الدولة والمواطن هو من أكبر التحديات الداخلية.

والأزمات في الأردن أصبحت أهم أدوات الفعل السياسي .. والإقصاء المُمنهج خلال السنوات السابقة كان وراء تغيّب الرجال والنُخب الذين ابتعد معظمهم طوعاً وآخرون قسراً .. فالدولة على ما يبدو تخلّت عن النخب وأفرغت الساحة من السياسيين لصبيان السياسة.

ولكن هل سأل أحدٌ نفسه : لماذا واقعنا أصبح هكذا ؟ ومن هم الذين أوصلونا إلى هذا الحال ؟ ولماذا حالُنا من سيء إلى أسوأ ؟ولماذا لم يحدث تغيّر في أوضاعنا ؟

ولسائل أن يتسائل ماذا جَنى الأردن من دكتاتورية التوريث السياسي ؟ فالتوريث والتدوير في الأردن تحديداً كان ولا زال أحد الأسباب الرئيسية في تراجع دور الدولة السياسي والإقتصادي والمؤسسي.

فالسياسة هي صُنع الحقائق ، وما يزيد السوء سوءاً أنه مع كل استحقاق يتأكد ضعف الوَرَثة ونجد أن الموروث أسوأ من الوارث .. فأحياناً أشعر بالخيبة كلما استعرضت بعضاً من الأسماء واللاعبين السياسين ، فهناك منهم من يغلب عليه الرعونة السياسية.

والمُثير للضحك بأن هؤلاء الوَرَثة يعتقدون أنهم ثروة وطنية وأنهم بئر الحكمة ، وأن الأردن من دونهم سيغرق وسيفقد البوصلة ، وابتعادهم عن السياسة فيه هلاك للنسل والحرث وخراب للديار .. وأن خبراتهم وقدراتهم وجيناتهم متفوقة وعابرة للأجيال.

فمن فاته القطار عليه الإعتراف بتأخّره .. فلماذا لا نعترف بأن الدولة غائبة في مجالات كثيرة وأن ضعف الوعي والفراغ السياسي يتركُ الدولة دون مشروع .. وأن العزوف عن العمل السياسي أصبح حقيقة يدركها الجميع .. وهو عزوف غير مسبوق تسبّب في تعثر عمليات التنمية والإستقرار وعرقلة في التحولات الإجتماعية والسياسية ،وأدى إلى خلق مشكلة في إيجاد حالة من التوازُنات وتكامل الأدوار.

فغالبية النُخب المحترمة آثَرت الإبتعاد عن المسرح السياسي طوعاً وانصرفت نحو الإعتدال الطوعي .. فقد تمّ كسر شوكتهم وتحجيم أدوارهم.

والحقيقة الموضوعية القاطعة التي يجب إدراكها هي احتكامنا لأساسيات الفكر والمنطق ، فالأردن اليوم بأمسّ الحاجة للدخول في آفاق مرحلة جديدة تحتّم علينا وضع سياسات شفّافة تَنشِلُنا من أزماتنا .. وأن تتوقف الدولة عن الحلول الجزئية والمؤقتة في إدارة شوؤن البلاد .. فالغد يجب أن يكون أفضل من اليوم.

فضياع هيبة الدولة وغيابها جزء أساسي من الأزمة ، وهو نتاج صراع قديم جديد أفضى إلى ضعف مؤسساتها وإلى تدهور العلاقة المتبادلة بين الدولة والمواطن والمؤسسات.

فهيبة الدولة لن تتجسد في صراخ الفضائيات ، ولا من خلال جهاز الأمن ، بل في قدرتها على تأدية واجبها تجاه مواطنيها.

والهيبة في كل الأحوال هي لغة رمزية تولد مع الدولة بما اكتسبته من شرعية وقوة وحزم بمؤسساتها وفاعلية تِرسانتها القانونية والتشريعية.

فاذا أمعنا قليلاً سنجد عمق وخطورة الأزمات التي تواجه الدولة والمسؤولين .. فللأسف ما زالوا يتحدثون عن شعب آخر غير الشعب الأردني !!

والتاريخ علّمنا أنه في حال حدوث أيّة أزمة كبيرة في أي بلد من بلدان العالم تتصدى لها عقول سياسية رصينة وخبيرة تُدرك جيداً طبيعة الأزمة حتى لو كانت صادمة .. ففي الوقت الذي يكثُر فيه رجالات الدولة نستطيع تفادي أكثر الأزمات التي تعصف بنا.

إنه تقليد متوارث في عدم تغير الوقائع .. نفس اللاعبون يُعاود إنتاجهم والمراهقون السياسيون باتوا مصدر قَلق وخطر على استقرار وسمعة الدولة ، وعلى الدولة ألا تُغفل المراهقة السياسية عندما تهّم بوضع استراتيجيات وطنية لرعاية المُراهقين تفادياً للتصحر الرجولي ووقف وَأد الرجال .. فكما قال ابن خلدون ( الدول تبدأ بالحُكماء ومن ثم تنتهي على أيدي المراهقين السياسين وصبيان السياسة ) .. فالفساد لا نهاية لجشعه ، فهو يبدأ بالقضاء على الأحلام وينتهي بالقضاء على الدولة.

قد يعجبك ايضا