دستور ضيعة غربة الذي أكله الحمار !

421

بقلم المهندس سليم البطاينه

لطالما كنت شغوفاً في الكتابة عن دساتير دول العالم ، خاصة أنني دوماً أرى نفسي مشدوداً إلى رائعة الشاعر والأديب العربي السوري المرحوم محمد الماغوط في مسرحيته الخالدة ( غربة ) التي تُعد من روائع المسرح العربي الهادفة ، والتي قُدمت في إطار اجتماعي سياسي ، سلّطت فيه الضوء على واقعنا العربي في سبعينات القرن الماضي في إطار كوميدي ساخر .. والعديد من أحداث مسرحية غربة يصلُح تطبيقها على أي سياق سياسي في كل زمان ومكان .. وتنطبق بشكل أو بآخر على ما يجري اليوم في عالمنا العربي .. بداية من بيك الضيعة ( دريد لحّام ) في المسرحية إلى حاشيته التي تُغرّد خارج السرب .. فمسرحية غربة مثّلها مجموعة كبيرة من عملاقة التمثيل في سوريا أمثال دريد لحام ، والمرحوم نهاد قلعي ، وأسامه الروماني ، وياسر العظمة ، وصباح جزائري ، والمرحوم عمر حجو ، وسامية جزائري ، وحسام تحسين بك ، والمرحوم شاكر بريخان ، ومها المصري .. وآخرين من عملاقة الفن العربي السوري.

وأحداث المسرحية تدور حول قرية أسمها ( غربة ) يحكمها بيك دكتاتور يقوم بإستبعاد مواطني الضيعة خارج ضيعتهم ، ويسلب خيراتهم ويتركهم يعانون من التخلف.

فالحمار الذي أكل دستور ضيعة ( غربة ) كان بارعاً في التهامه كلما استدعت الحاجة لذلك ، وحين تقتضي المصالح والصفقات والتسويات ، وكلما صار لزام الإحتكام إليه ، والتي عبّر عنها كاتب المسرحية بإشكالية جوهرية يعيشها الوطن العربي منذ سنوات طويلة من الزمن.

وغالبية الشعوب العربية لا تعرف شيئاً عما تحتويه دساتير بلادهم لأن ثقافتهم الحقوقية غائبة أو مُغيّبة قصداً .. والثقافة العربية للأسف هي ثقافة لا تُعير القانون اهتماماً كبيراً ، لأن المواطنين والدولة هم الذين ينتهكون القوانين.

وَعَوْداً إلى المسرحية والتي بأحد فصولها يطلب معلم المدرسة في الضيعة ( عبدالهادي الصباغ ) من البيك حاكم الضيعة الدستور ويسأله شو يعني بيك ؟ وكيف أنت بتحكم ومين إلي حَكّمك على هؤلاء المساكين ؟ قله البيك الدستور ، قله المعلم أنو دستور ؟ قله البيك دستور الضيعة ، جاوبه المعلم ورجيني الدستور .. فطلب البيك من حرّاسه الشخصيين أن يحضروا الدستور ، لكن الحارس ( ياسر العظمة ) سأل الحارس الثاني : وين الدستور ؟ قله بالخُرج ، قله وين الخُرج ؟ قله على الحمار ؟ قله وين الحمار ؟ قله موقوف بالسجن ، قله ليش ! قله أكل الدستور !! فجاوبه البيك كيف انهضم معه هيك دستور ؟

فالفكاهة حالة خاصة من الإلهام تحتاج إلى قوة تحرّكها ، وحيلة تُخرجها.

ففي مسرحية غربة ضخّ كاتب المسرحية محمد الماغوط كم هائل من الرسائل بطرق مختلفة، وكل قارىء لأعماله يقف أمام ذاته ، ناقداً ، باكياً ، ضاحكاً ، مسكوناً بالقلق والأسئلة ، فالماغوط عاش عازفاً منفرداً وطائراً خارج السرب ، لا يستعير لغته من أحد ولا يشبه إلا نفسه ، وعبّر عن شخصيته بكاريزما أدبية لم تتأتى لسواه .. وكان شجاعاً في اختراق حصار الخوف واستبطن وجدان وأحزان الإنسان العربي ، فمسرحيته جسّدت واقع الأمة العربية ككل ، ولا تزال الأجيال العربية تتناقل بعضاً من أجزائها الناقدة والساخرة والمُعبّرة عن الحال العربي .. فالماغوط كان دوماً يرصد طبيعة التحولات في المشهد السياسي والإجتماعي بحيث كان يرسم ملامحها في إطار كوميدي ساخر.

وعلى الرغم من أن غالبية دول العالم تمتلك دساتير كاملة الأوصاف واضحة وضوح الشمس ، إلا أن البعض من تلك الدول يضعها في الخُرج ويتركها بيد الحمار يأكلها كلما جاع ، ويَسحقها كلما شبع.

وهذا ما يؤكد أن كل شيء في الوطن العربي مُباح بالقانون والورق والتزوير والوعود الكاذبة التي لا علاقة لها بالقانون أو الدستور ، وأحياناً تصل إلى حد المتاجرة بأحلام البسطاء من خلال الوعود بوظيفة أو راتب تقاعدي أو تحسين راتب تقاعدي قديم ، أو مصلحة شخصية فتُحوّل السلطة الحقوق الأصلية إلى هبات وعطايا من الدولة مستغلّة بذلك الفقر والجوع والعوز والجهل والمرض وحاجة المجتمع.

وأنا هنا لست معنيا أن أحدّد من هي الدول التي أكلت الحمير دساتيرها ، فهذا شأن أهلها أولاً وأخيراً .. فبالتأكيد أن الماغوط لم يكن يعلم أننا سنصل إلى زمن تأكل فيه الحمير الدساتير .. فما يعنيني هو أن دستور ضيعة (غربة ) تم الإعتداء عليه وأكله الحمار.

وصحيح ما قاله في أحد مقالاته قبل أربعين عاماً أن الكلمة لا تستطيع أن تهز عاموداً أو تبني سداً أو جامعة أو مستشفى ، لكنها تستطيع أن تُنبّه الغافل وتوقظ النائم .. فمهمّتها أن تصرخ أن هناك جوعاً وجائعين وعاطلين ومرضى ومشردين.

فكم من الدساتير في الوطن العربي اكلتها الحمير.

قد يعجبك ايضا