عندما يُحلّق السرب بعيداً نحو المجهول يَخرج من يُغرد خارج السرب حتى لا يهوى السرب إلى القاع !

551

بقلم : المهندس سليم البطاينه

لا يختلف اثنان في الأردن على توصيف أزماتِنا التي نعاني منها على أنها حالة بالغة أنتجتها حالة العناد والمكابرة التي لا تُتيح مجالاً للرؤية الموضوعية والتقدير الصائب لجميع القرارات والمشاريع.

ولعل هنالك أسئلة لا يجيب عليها إلا كل من شغل موقع المسؤولية ليبرر لنا سر هذا العناد ؟

فأزمات الأردنيين لم تعُد صامتة فهي تتوالد وتتكاثر كالجراد في بلد يكاد يتحلل شيئاً فشيئاً .. والناس يشكون من الحقائق الغائبة عنهم ومن ضياع لغة الأرقام .. ومواقف الدولة على ما يبدو صامتة وشاردة وكأن الأمر لا يعنيهم ، والخشية من أن تصبح حالة فوضى الأحوال والأفكار لدينا واقعاً مستمراً حتى إشعارٍ آخر ، وأن يكون العناد حاجباً لصفاء العقل والتفكير.

فالواضح أن لا أحد حول الملك يعمل جاداً بالبحث عن نقطة توازن لإصلاح المشهد السياسي واسترداد الحاضنة السياسية فكثير من النخب السياسية مارست سلوكاً فيه الكثير من الإختباء وقلّة الجرأة.

والأردنيون عملياً لم يدرّبوا أنفسهم على تجاوز الإحباطات عن طريق عدم الإكتراث بالنتائج السلبية للمشاريع الإصلاحية ، وآخر ما يحتاجونه فعلياً هو أن ترتبك معهم الإجابات بعد أن تضيع منهم الأسئلة الحقيقية الذاهبة إلى المجهول.

والخوف حالياً من أن يكون كُل الكلام والتحذير أستُهلك ، وكل المحاولات باءت بالفشل .. فالعناد يبدو أنه أقوى من أي كلام.

فحديث رؤوساء الحكومات الأربع كشف لنا حجم الأزمة التي بلغها الأردن ، والتي لم تجد طريقها للحل فضلاً عن حالة الإحتقان التي تعتمر صدورهم جرّاء انسداد الأفق أمامهم ، وتحذيرهم من أن القادم أسوأ بالإستمرار بهكذا نهج .. وكشف لنا كم نحن بحاجة إلى رجالات دولة فعليين وحقيقيين يبادرون من مواقعهم الوطنية التصرف بمنطق رجل الدولة ودق ناقوس الخطر عند الإستشعار به لإبراء الذمة أمام الله والتاريخ.

فعندما يُحلق السرب بعيداً عن المجهول يخرج من يغرد خارجه ويخترق دائرة النقد المباشر لضبط الإيقاع حتى لا يهوى السرب إلى القاع .. فإن لم يكن هناك من يغرد خارج السرب لن يأتي التغير ، فالخروج عن ثقافة السرب في هذه الحالات مفيد للسرب نفسه خوفاً عليه.

فالأردنيون يأسوا وملّوا الإنتظار ولم يعُد يشغلهم اليوم ركوب قارب النجاة بقدر كيفية الوصول إلى شاطىء آمن .. فقد أصبحوا مسكونين بالخوف من كل شيء ومن أي شيء ويعيشون وسط ضبابية ساخنة ومطبات هوائية وحالة من الذهول والإستدراك في مشهد غير واضح.

فتصلب العقل والرؤية والفعل عناد لا يمت للسياسة بشيء فالسياسة فن الممكن والعناد عفن الممكن لإرغام الجميع على الإستسلام دون قيد أو شرط.

فكل الأمور في الأردن حالياً تدور في حلقة مفرغة والمسألة أصبحت معقدة وغير مرتبطة بالحلول المعيشية وإنما تجاوزتها أكثر ما هو بكثير ، فمعظم السياسات اتّجهت إلى تثبيت ركائز الدولة استناداً إلى المفهوم الأمني مقدّمة إياه عن مفاهيم أخرى كثيرة.

فأنا فزع مما تُخبئه لنا الأيام ، فعلى ما يبدو أنها تُخبىء ما لا تظهره وما لا نرتجيه ، والذي نرتجيه قد يكون عكس ما نحب أن يكون .. فالأيام القادمة حبلى بالكثير من الأحداث والمتغيرات ، والخوف أن يتم تحويلنا من فاعلين إلى مفعول بنا.

فأي سجال يحتاج إلى إطار يحكمه ويَعرف موضوعه ويُلِم بوثائقه ، وحتى اللحظة لم أرى هناك من يصفّق للتعديلات الدستورية القادمة ، ولا لفكرة إنشاء مجلس الأمن الوطني ، ولا لقانون الإنتخاب القادم الذي ليس له مكان على الأرض وغير مرتبطٍ بها ، ولم تُعرّف فيه الجغرافيا والتاريخ.

ولم يعد مقبولاً غياب الدولة بأجهزتها عن ساحة الحلول ، فالإنتقاد أصبح ليس موجهاً للحكومة بل تجاوز ذلك وأصبح يمس الملك.

أتمنى أن نُعيد النظر ونفكر بصوت عالٍ ، فبارقة الأمل موجودة والفرصة لم تغلق نوافذها بعد ، فالعناد وعدم سماع صوت العقل هو الخطر والشر المستطير.

إنها وصفة لغياب العقل .. فهل نصحوا ونراجع أنفسنا ونعيد حساباتنا من جديد ؟ فالقضية ليست من يحاسب الآخر أو من يسبق ليُعاتب ، فالأمنيات كثيرة ولعلنا نتجاوز حقول الألغام والأفخاخ .. فالتجارب والإختبارات أثبتت فشل الدولة في إيجاد الحلول لكل الأزمات ، بل أثبتت أنها المسؤولة عن هذا الوضع الذي بلغه الأردن.

لا أدري هل مازال الكلام مفيداً ؟ وهل عدم رضا الأردنيين يهمّكم ؟ فهم لا يجيدون الحديث بلغة الكافيار ، والخطوة الأولى إذا كان الكلام مفيداً أن تنتصر الذات على الذات لصالح الأردن وأن يكون هناك صحوة كاملة وتغيير جذري للنهج والسياسات.

قد يعجبك ايضا