البطاينة: ما بين كبار البلد وشهداء الوطن !! فقراء الأردن هم ضحايا كل المراحل ووقود كل مرحلة وهم الذين يضحون من أجل البلد

688

كتب المهندس سليم البطاينة..

ظاهرة تستوجب القراءة والتحليل تلك المتعلقة بمفهوم الوطن ، والتوظيف السياسي لمفهومها وما يدور في فلكها من مفاهيم ومصطلحات وتعبيرات استمدت أهميتها من الدور الذي باتت تلعبه في خطابنا السياسي.

لطالما تمنيت أن أجد إجابة واحدة : من هم كبار البلد ، ومن هم كراسيها ؟ وأين هم ؟

بالله عليكم أعطونا أسم واحد منهم أو من أبناءهم قدّم نفسه شهيداً لهذا الوطن ؟ فزَيف وطنيتهم أوصلنا إلى حافة الهلاك .. والحقيقة أنهم هم أنفسهم سواد ليل الأردن ، وهم عتمة طريقه نحو النهوض والإصلاح.

أي واقع هذا الذي نعيش ؟ وأي حياة تلك التي نحياها ؟ لا أكاد أصدق ! هل باتت البلاد ملكاً للأغنياء وللفاسدين ولمحتكري السياسة والفهم الوطني ولمن يدعون أنفسهم أنهم كبار البلد وكراسيها ، وهل أصبح الأردن ملكًا لهم ؟ وهل أصبحت الشهادة والتضحية مفروضة ومحصورة فقط على فقراء الأردن وعسكرها ؟

فعلى ما يبدو وللأسف بات الأردن ورقة رابحة في أيديهم يفعلون بها ما يشاؤون .. وفي المقابل أصبحت الوطنية ورقة خاسرة في يد فقراء البلد ، ولعلها تدفعهم إلى حضيض الفقر والتخلف.

وحده الإنسان الحر من لا يزال يعرف شيئاً أسمه الكرامة الذي يموت من أجل الوطن .. فالوطن كلمة حبها إيمان والتضحية من أجلها جهاد ، والموت من دونها شهادة.

لن يموت من أجل الأردن من باع وأشترى وسرق مسكوكات الذهب من المتحف واستبدلها بمسكوكات مزيفة ، وسلب ونهب وارتشى ، وهرّب ابناءه وعائلته خارج الوطن اثناء المحن والأزمات خوفاً عليهم ، ودار ظهره في يوم من الأيام للوطن ، وداس على العلم ومزق جواز سفره .. والأمثلة من حولنا كثيرة والتاريخ ليس ببعيد عنا ، واعتقد أننا لسنا بحاجة لمزيد منها فهي حولنا بكل مكان .. ولن يموت من أجل الوطن من يبيع قضية فلسطين ويتاجر بالقدس والمقدسات .. ولن يموت من أجل الوطن صاحب قلم مأجور مدفوع الأجر ، يرضى لنفسه تزوير الحقائق والدفاع عن الذين يحترفون جر الأردن إلى المجهول وإغراقه في مستنقعات لا نعرف عنها.

فمن يرابط على حدود بلاده في أجواء البرد وحميم الشمس ، وعينه تراقب ليحافظ على أمن واستقرار الأردن ليذوذ عن حماه ويصد الغزاه ويحارب بنقاء نفسه وطهارة قلبه التي لا تحمل إلا الخير ، ولا يرى أهله إلا أياماً معدودة في كل شهر هو كبير البلد وهو الذي يعتلي اعلى الكراسي وسيذكره التاريخ ، وغيره من أصحاب الوطنية الزائفة سيذهبون إلى مزبلة التاريخ.

كبار البلد وكراسيها من يعيشون على الكفاف وجيوبهم فارغة لا تحمل شيئاً أمثال الشهيد الملازم حازم شديفات رحمه الله الذي غادر الدنيا شهيدًا بعد مواجهة مع تجار المخدرات على الحدود الشمالية ولم يكن في جيبه إلا دينارين و ٨٥ قرش.

كبار البلد هم الذين يقفون على حدود الوطن وقد نخر البرد أجسادهم ، حاملين بنادقهم ليدافعوا عن الوطن ، وهم الذين صعدت أرواحهم الطاهرة إلى باريها .. هم شهداء عام ١٩٤٨ و٦٧ ، ومعركة الكرامة ، و عام ٧٠ و حرب ٧٣ بالجولان ، وهم شهداء قلعة الكرك واربد والسلط والبقعة الذين ضحوا بأنفسهم وأرواحهم من أجل وطنهم وأهلهم ، واستشهدوا لنعيش بكرامة وليحيا من يطلقون على أنفسهم (كبار البلد) هم وأبنائهم الذين لا يتعرضون للمخاطر ولا يحاربون ولا يدخلون الجيش.

كبار البلد من عزّت عليه نفسه بأن يطلب ويتوسل منصباً لتحسين راتبه التقاعدي .. أو يطلب أن يكون رئيساً أو عضوا بمجلس إدارة هنا وهناك ، أو يحصل على رخصة منشأة اقتصادية لا يستحقها.

كبار البلد هم القابضين على الجمر ، وسوف يبقون كذلك ولن يتغيروا مهما ضاقت بهم الدنيا .. فالأردن أولاً وأخيراً ملكاً لهم وملكاً لأجيال قادمة تصوغه وتصوغ كيانه عبر فعلها في الزمان والمكان.

إن وطنية فقراء البلد ووفائهم في الأردن لا يختلف عليه اثنان ، وخاصة عندما تكون خزائن الوطن منهوبة وفارغة .. ولا أدري كيف لشبعان يشكو من التخمة يطلب من جائع بأن يصبر على الجوع والفقر ؟ وهنا استحضر عبارات قالها الرمز الوطني والصديق الفنان القدير ( موسى حجازين ) بإحدى مسرحياته .. لا نقبل أي عرص شبعان أن ينصحنا على الصبر والجوع .. أنتهى الإقتباس.

فعندما تلاقت بطولات إفراد وضباط جيشنا الاردني في معاركه السابقة منذ عام ١٩٤٨ وحتى يومنا هذا أمثال عارف الشخشير وراتب البطاينه وخضر يعقوب وأشتيان الصرايرة وفريد الشيشاني ومنصور كريشان وشهاب ابو وندي وابراهيم السواقطة ، وابراهيم عبدالله ، وسالم الخصاونة ، ومحمد البوريني وسليمان المطيرين وصلاح شويعر ومحمد مبيضين ، ومحمد المومني ، وعوده الدهام وأحمد أبزاخ وجواد أنزور ورجب لقمان وصلاح الداغستاني ويعقوب باكير ومعاذ الكساسبة وراشد الزيود وسامر خضر ومحمد الخضيرات ومحمد المشاقبه وفريد الشيشاني مع كل الأبطال الذين استشهدوا من أجل الأردن ، كلهم بدون ادنى شك قدموا إجابات وافية عن حقيقة الهوية الجامعة.

هم وحدهم من يستحقون أن يكونوا كبار البلد وكراسيها ، فالبلاد لا يبنيها ولا يحميها إلا عزيمة رجالها وعسكرها .. ولن يموت من أجل الأردن إلا مثل هؤلاء الذين باعوا أنفسهم من أجل وطنهم.

سلام على من ضحوا بأرواحهم فداء لنا .. وسلام على من افتدانا بحياته ووهبنا عمره من أجلنا .. إنهم الوطن وكل الوطن ، وهم كبار البلد وكراسيها.

قد يعجبك ايضا